ابن ميثم البحراني
61
شرح نهج البلاغة
أجسادهم وذلك في المواضع الَّتي بليت فيها الأجساد ، واستعار لفظ البواكي والنوائح لأيّام الحياة ملاحظة لشبهها في مفارقتهم لها بالأُمّهات الَّتي فارقها أولادها بالموت . وقوله : أولئك سلف غايتكم وفرّاط مناهلكم . السابقون لكم إلى غايتكم وهى الموت وما بعده ، وإلى مناهلكم وهى تلك الموارد أيضا ، ومقاوم : جمع مقام لأنّ ألفه عن واو ، وملوكا وسوقا نصب على الحال ، وبطون البرزخ ما غاب وبطن منه عن علومنا ومشاهداتنا ، والسبيل فيه هي مسلك القدر بهم إلى غاياتهم الأُخرويّة من سعادة أو شقاوة ، ونسبة الأكل والشرب إلى الأرض مجاز يقارب الحقيقة في كثرة الاستعمال ، وإنّما سلب عنهم النموّ والفزع من ورود أهوال الأرض عليهم ، والحزن من تغيّر الأحوال بهم ، والحفلة بزلازل الأرض وسماع الرياح القاصفة ، لكون انتظار ذلك من توابع الحياة وصفاتها . فإن قلت : فهذا ينافي ما نقل من عذاب القبر فإنّه يستلزم الفزع والحزن . قلت : إنّما سلب عنهم الفزع والحزن من أحوال الدنيا المشاهدة لنا ، وكذلك الحفلة بأهوالها وسماعها . وعذاب القبر ليس من ذلك القبيل بل من أحوال الآخرة وأهوالها ، ولا يلزم من سلب الفزع الخاصّ سلب العامّ ، ونبّه على أنّ غيبتهم وشهودهم ليس كغيبة أهل الدنيا وشهودهم . إذ كان الغائب في الدنيا من شأنه أن ينتظر والشاهد فيها حاضر وهم شاهدون بأبدانهم مع صدق الغيبة عليهم عنّا : أي بأنفسهم ، ولمّا امتنع ذلك العود لا جرم صدق أنّهم غيّب لا ينتظرون وشهود لا يحضرون . وقوله : وما عن طول عهدهم . إلى قوله : سكونا . أي عدم علمنا بأخبارهم وصمم ديارهم عند ندائنا ليس لأجل طول عهد بيننا وبينهم ولا بعد محلَّتهم ومستقرّهم فإنّ الميّت حال موته وهو بعد مطروح الجسد مشاهد لنا تعمى علينا أخباره ولا يسمع ندائنا دياره ، ولكن ذلك لأجل أنّهم سقوا